الجواد الكاظمي

240

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

وقد يستدلّ به على أنّه لا يجوز التعرّض للجاني في غيره إذا التجأ إليه ، ولا يقام عليه الحدود وهو كذلك عند أصحابنا ، فإنّهم يذهبون إلى أنّ الحرم كلَّه مأمن الخائف الملتجئ إليه لا يقام عليه فيه شيء من الحدود ، وقال الشّافعي إنّ الإمام يأمر بالتضيّق عليه بما يؤدّي إلى خروجه ، فإذا خرج أقيم عليه الحدّ في الحلّ ، فإن لم يخرج جاز قتله فيه ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه ، وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلَّا أن ينشئ القتل فيه ، ولكن يضيّق الأمر عليه ، ولا يكلَّم ولا يطعم ولا يعامل ، حتّى يخرج فيقتل ، وسلَّم أنّه يستوفى منه قصاص الطرف ، وعند أحمد لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين ، والأصحّ ما ذهب إليه أصحابنا لإطلاق الأمن إلَّا أن يقال : مقتضى الآية كون البيت أمنا لا الحرم ، ومع هذا ففي استفادة الحكم من ظاهر الآية تأمل إذ يجوز أن يكون المراد أنّه أمن من عذاب الآخرة أو لا يتعرّض له بالخراب ولا لأهله بالأذى ، نعم يتمّ ذلك بمعونة ما يدلّ عليه من الأخبار بحيث يظهر منها أنّه المقصود من الآية وقد مرّ نظيره سابقا . « واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » على إرادة القول أي وقلنا اتّخذوا منه موضع صلاة تصلَّون فيه ، و « من » هذه تجريديّة نحو رأيت منك أسدا ، أو عطف على المقدّر عاملا لإذ ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه واتّخذوا ، على أنّ الخطاب لامّة محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلم [ أن يتّخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى أو المعنى أنّا لمّا شرّفناه ووصفناه بكونه مثابة للنّاس وأمنا فاتّخذوه أنتم قبلة لأنفسكم على أنّ الواو بمعنى الفاء كما قيل ] ( 1 ) . قال الطبرسيّ في مجمع البيان استدلّ أصحابنا به على أنّ صلوه الطواف فريضة مثل الطواف لأنّ اللَّه تعالى أمر بذلك وظاهر الأمر يقتضي الوجوب ، ولا صلاة واجبة عند مقام إبراهيم غير صلاة الطَّواف بلا خلاف ، قلت وعلى الوجوب أكثر أصحابنا وهو المشهور فيما بينهم ، ونقل ابن إدريس عن شذاذ منهم الاستحباب ، وعلى الوجوب الشافعيّ في أحد قوليه وجماعة من العامّة ، وأكثرهم على الاستحباب ، ويدلّ على الوجوب

--> ( 1 ) من مختصات نسخة سن .